القصة الكاملة لشحنة المخدرات التي هزت جمارك المغرب

ربما لم يكن أشد المتشائمين، من المسؤولين الجمركيين بطنجة، يتوقع أن يتلقى خبر ضبط شحنتين ضخمتين من الحشيش في يوم واحد، وبعد مدة وجيزة من عبورهما الضفة الجنوبية للمتوسط نحو الضفة الشمالية.. هذا ما حدث بالضبط يوم 26 يونيو الماضي، عندما أبلغت السلطات الإسبانية نظيرتها المغربية بضبط حوالي 48 طنا من الحشيش على متن شاحنتين مرقمتين بالمغرب.

وحسب ما ذكرته وزارة الداخلية الإسبانية، وقتها، فإن الشحنة المكتشفة بميناء الجزيرة الخضراء كانت مقسمة بين شاحنيتن كلاهما تحملان لوحة ترقيم مغربية، وكلاهما مرتا، نظريا، عبر مراحل التفتيش بميناء طنجة المتوسطي، لكن الصادم أكثر، والذي ركزت عليه وسائل الإعلام في إسبانيا، هو أن عناصر الحرس المدني بالبوابة المنائية الأندلسية، اكتشفوا الشحنة خلال عملية تفتيش دورية عادية، وتأكدوا من وجودها يدويا، ما يعني أنها مخبأة بالإتقان الذي يجعل جمركيي طنجة وجهاز السكانير يغفلان عنها.

كلب يكتشف الشحنة

كانت المفاجأة الأكبر من مفاجأة اكتشاف الشحنة بميناء الجزيرة الخضراء، هي الطريقة التي تم بها ضبطها، فعناصر الحرس المدني لم يبذلوا مجهودا خارقا لاكتشافها، فقط عملية تفتيش روتينية باستخدام كلب بوليسي، لتصدر الإشارة الأولى بوجود الممنوع في الشاحنة الأولى.

وبالفعل قام الأمن الحدودي الإسباني بإفراغ الشحنة، ليكتشف وجود 24 طنا وربع الطن مخبأة داخل صناديق وملفوفة في أشرطة بلاستيكية لاصقة، ليتم اعتقال السائق الأول وتشديد المراقبة على باقي الشاحنات القادمة من المغرب تحسبا لوجود شحنة أخرى، وهو ما حدث بالفعل، عندما تم اكتشاف 23 طنا و610 كيلوغرامات من الحشيش، لتكون بذلك أكبر كميتين منفصلتين تضبطان في يوم واحد بالميناء الأندلسي.

وفيما كانت وسائل إعلام إسبانية تتابع عملية اعتقال السائقين المغربيين، وتنتظر تفاصيل التحقيق معهما، وبينما كانت تصريحات إسبانية رسمية تؤكد أن العملية تدخل في إطار الاتجار الدولي للمخدرات، وأن لها أبعادا خطيرة بالنظر لحجم الشحنة وطريقة دخولها التراب الإسباني، كانت السلطات المغربية، وفي مقدمتها المديرية العامة للجمارك، تلتزم الصمت، وتستعد لفتح ملف بالغ الحساسية.

مفاجأة التحقيقات

مباشرة بعدما طفت فضيحة التهريب على السطح، حلت عناصر المكتب المركزي للأبحاث القضائية وعناصر الشرطة القضائية بميناء طنجة المتوسط، حيث تم فتح تحقيق ميداني شمل فحص أجهزة الفحص ومراكز المراقبة والاستماع إلى عناصر الجمارك المكلفين بتفتيش شاحنات النقل الدولي، لتخلص التحقيقات إلى الاشتباه بكون عنصرين من جمارك الميناء سهلا عملية التهريب.

وحسب ما ذكرته مصادر عليمة، فإن المحققين لاحظوا أن الجمركيين المشتبه بهما لم يتما إجراءات الفحص بالنسبة للشاحنتين المحملتين بالمخدرات، وهو الأمر الذي وثقته كاميرات مراقبة بالميناء، وما عزز فرضية سوء النية هو أن الجمركيين ظهرا أمام محط الصادرات المينائية وكأنهما يتجاهلان عمدا الشاحنتين المذكورتين دون غيرهما.

التحقيقات كشفت أيضا سيناريو ولوج وخروج الشاحنتين إلى ومن الميناء المتوسطي، حيث إن الشاحنتين دخلتا إلى مستودع التصدير قبل نحو 48 ساعة من تاريخ وصولهما إلى محطة الفحص والتفتيش، وهناك سيتغاضى الجمركيان عن فحصهما وستنتقلان إلى الباخرة الحاملة للعلم الإسباني التي أوصلتهما إلى الضفة الأخرى.

وبعد نحو أسبوعين من التحقيقات المتواصلة، صدر أمر باعتقال الجمركيين، حيث أحيلا على النيابة العامة، ليواجه أحدهما تهمة المشاركة في تهريب ممنوعات، فيما يواجه الثاني تهمة التقصير في أداء مهامه، ليدخل الملف مرحلة المتابعة القضائية.

محاكمة تحت الضغط

لم تتوان وسائل إعلام إسبانية، وخاصة التلفزية منها، عن اتهام السلطات المغربية مباشرة بالتورط في إغلاق أوروبا بالمخدرات، بل لمحت إلى إمكانية أن يكون الأمر متعمدا، وذلك في غمرة ترويج المغرب لمجهوداته في التصدي لعمليات الاتجار الدولي للمخدرات، الشيء الذي أضر كثيرا بالصورة التي يرسمها المغرب الرسمي لنفسه أوروبيا، وهو الأمر الذي فرض على السلطات الأمنية والقضائية تكثيف العمل لتحدي المسؤوليات ومعاقبة المتورطين.

وبعد سلسلة من التحريات والاستنطاقات التي شملت مسؤولين في جهاز الجمارك بطنجة والجهة، وكذا مسؤولين في مؤسسة الميناء المتوطي “تيمسا”، وأيضا بعد التحقيق مع السائقين اللذين أوقفا بميناء الجزيرة الخضراء، بدأت فصول محاكمة الجمركيين المشتبه بهما.

وتدل لائحة الشهود الذين سيتم الاستماع إليهم ب الغرفة الجنحية التلبسية لابتدائية طنجة، على حساسية الملف، حيث استدعت المحكمة المدير العام للميناء المتوسطي وما لا يقل عن 8 مسؤولين وموظفين جمركيين وعاملين آخرين بالميناء.

وأجلت المحكمة النظر في ملف القضية الاثنين الماضي، إلى غاية 28 دجنبر الجاري، من أجل حضور الشهود، وأيضا استجابة لطلب هيأة دفاع  المتهمين الذي التمس تمكينهم من وقت إضافي للاطلاع على الملف.

بنكيران يعلق

كان الصدى الذي خلفت فضيحة العثور على 48 طنا من المخدرات من طرف السلطات الإسبانية، قويا جدا، لدرجة أن ارتداده وصل إلى رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، الذي وجد نفسه، في لقاء مفتوح بسلا، أمام أسئلة حول تعامل حكومته مع الملف.

بنكيران الذي لم يخف أسفه على الواقعة، والذي وافق على “مقترح” تضمنه الأسئلة بضرورة محاسبة كبار المسؤولين المينائيين عوض متابعة موظفين فقط من الجمارك، علق قائلا “تأكدوا انه كلما تواطأ شخصان داخل الإدارة تحصل الكارثة”، في إشارة إلى الجمركيين المتابعين.

وأورد بنكيران أن تهريب المخدرات واقع لا مفر منه، حتى وإن قامت الدولة بأقصى المجهودات لمنع ذلك، بالنظر للقدرة الكبيرة لأباطرة المخدرات على التنسيق والاختراق، ناقلا عن مسؤول جزائري قوله إن تجار المخدرات بدول المغرب الكبير “تمكنوا بالفعل من توحيد مغربهم دون انتظار السياسيين”، قاصدا بذلك اختراق عمليات التهريب للحدود.

عن يومية “المساء”