“بهلوانات طنجة”.. نحْت في ذاكرة مغاربة عاشوا تحت أضواء السيرك

عبد العزيز جدير*: تكتسي بعض الكتب قيمتها من موضوعها الظريف أو الجديد، وأخرى من طريقة التناول وجدتها.. من ذلك نشر الصحافية غيثة السملالي سيرة والدها “الأكروبات” بالسيرك الأمريكي.

وها هو محمد تلهين يعود إلى الموضوع من جديد بكتاب يحمل عنوان “بهلوانات طنجة”، وعنوان فرعي “فنانو الفرقة”، ضمن سلسلة “ناحتي الذاكرة”، عن دار لارماتان في باريس.. فما طبيعة هذا الصنف المغاير من المغاربة الذين ركبوا البحر نحو الغرب والأمريكتين وأفريقيا؟

يستند الكتاب إلى تقنية الحوار لجمع شذرات من حيوات “الأكروبات” المغاربة وإعادة تركيبها، لصياغة سير هؤلاء وتقديم قصة موجزة لتاريخ هذا الفن.

ويبدو الطابع التأريخي للكتاب من التقديم، ويعرض إلى انفتاح طنجة منذ العهود الفينيقية إلى اليوم على الأبيض المتوسط وأوروبا، ولذلك شهدت عبور الفاتحين والغزاة والمغامرين والوعاظ من الديانات كلها، والمهاجرين العاديين في الاتجاهين. وبذلك شكلت بوتقة امتزاج شعوب، ووعاء احتضن الإسهامات الحضارية.

وقد أسهمت كل هذه المعطيات الجغرافية، والتاريخية والسكانية في قيام مناخ انفتاح وتسامح ميزا طنجة، وتجلى في التعدد الثقافي واللغوي الذي ضمخ جسدها الكوسموبوليتي. وقد دعم هذه الهوية المتعددة “الطابع الدولي” الذي منحته»دول أوروبية وأمريكا وروسيا للمدينة ما بين 1924 و1956.

وقد تمتعت طنجة بتقليد طويل تمثل في استقبال الهجرات الجهوية، واندماجها بشكل عجيب، فقد اغتنت ساكنة المدينة المشكلة من جْبالة المُعَرَّبين، والريفيين العرب – الأمازيغ، بمجيء العرب واليهود المطرودين من إسبانيا، وبما حملته عائلات فاسية من نفحة عربية – يهودية – أندلسية ولونت به الموزاييك المحلي.

لكن أهم مكونات الإثنية – اللغوية للمدينة، بعد جبالة والريف، هي جماعة الأمازيغ من الشلوح والسوسيين المتأصلين من جنوب المغرب، خاصة من المربع المشكل من مراكش، وأغادير، وتزنيت، وتافراوت.

وباستثناء التوطين القديم لهؤلاء الأمازيغ، في إطار الحملات العسكرية لسلاطين المغرب، فإن إقامتهم بطنجة منذ القرن التاسع عشر كان بسبب موجات الهجرات الظرفية الناتجة عن مجاعات سنوات طوال من الجفاف.

وقد دفعت هجرة المجاعة (1937- 1938) والمجاعة الكبرى (1944- 1945) إلى نشأة ضواحي كبيرة في البادية الطنجية مثل، بني مكادة والسواني.. وهناك فئة من الأمازيغ هربت من الجنوب فاندمجت بسهولة في النسيج الاجتماعي للمدينة. تخصص أفرادها في التجارة، خاصة البقالة، وهو قطاع هيمن عليه الأمازيغ منذ عقود.

ولكن هناك فئة قليلة جدا من هؤلاء الأمازيغ ابتعدت عن هذا الاختيار لتعيش بما استطاعت أو تغتني بطنجة. أقام أفرادها بالمدينة لأنهم يطمحون إلى أن يقطعوا البحر لمواهب ينعمون بها منها فن البهلوانية، والبحث عن مستقبل أحسن. وفي انتظار الهجرة، كونوا أتباعا جددا بين الشبان أبناء المدينة.. عمدوا إلى تكوينهم بعين المكان لفائدة السيرك الأجنبي.

يهدف الكاتب إلى تقديم شهادات عن فترة معينة، عن فئة اجتماعية، عن خاصية مدينة أسطورية وأخيرا عن فن موروث عرَّف بالمغرب في الخارج عبر إقدام أبنائه المنسيين، المنحدرين من أسر متواضعة.ولذلك فهو يعطي الكلمة لرواد فن البهلوان في المغرب، الذين نقلوا لأبناء طنجة شغفهم. فمن أين استبد بهم هذا العشق، الذي يبدو أنهم ورثوه منذ فجر التاريخ؟ لعل الأمر يتعلق بالتقاء عاملين حاسمين: وضع جغرافي استثنائي، هو طنجة، وصدفة التاريخ.

ينتسب ممارسو فن البهلوانية إلى سيدي حْماد أو موسى (1460-1564) المولود في قبيلة إِدَّا أُو سَمْلاَلْ (بالأطلس المتوسط، وسط المغرب) وعلى الرغم من كون الرجل من أولياء الله، فلم يعرف أنه بعد غيابه بقرون سيطور جزء من أتباعه أو الذين يدعون ذلك، “فنه” خلف الأبيض المتوسط بل والأطلسي.

وقد تميز الرجل بالزهد والتصوف وأضاف إليهما تمرينا جسديا، هو الألعاب البهلوانية. ولعل إنجازات “أتباعه” البهلوانيين القادرة على تحقيق صور مثيرة، تدفع إلى البعد الأقصى حدود الإنسان مما يعطي لأفعالها طابعا فوق واقعي لا يقدر على إتيانه إلا ولي صالح، ويمكن أن يهبه إلى من يشاء.

وقد ظل أتباع سيدي حماد أو موسى، الذين عرفوا برشاقتهم، ومهارتهم الجسدية يطوفون بمدن المغرب وأسواقه يعرضون ابتساماتهم وألبستهم التي تنشر الفرح بألوانها الزاهية.

ووصف مولييراس هؤلاء خلال رحلته إلى المغرب نهاية القرن التاسع عشر: “ومن التسليات التي يتابعها السائح خلال فترات ما بعد الظهر في الأسواق وشوارع المدينة مهرجان عيساوة، والمغنين والشعراء الشعبيين، وتمرينات الرمي، والألعاب البهلوانية لأولاد سيدي حماد أو موسى.. فهؤلاء يشكلون ما نسميه الصُّمْعَةُ (المنارة). يصعد أربعة رجال كل واحد فوق الآخر، يضع الواحد رجليه فوق كتف الآخر.. ويطوفون الشوارع بروية”.

وقد أسس الشلوح والطنجيون، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من خلال أبنائهم أول جمعيات أكروبات مغاربة طافت أرجاء العالم، ثم انظم إليهم أبناء المدن القريبة من طنجة كالعرائش وتطوان.

وهم الذين قدموا عروضهم في أوروبا وأمريكا، وجنوب أفريقيا أيضا. وحظوا بإعجاب متفرجين “بالمولان روج” في باريس وبرلين وأوسلو.. وقدمت عروض بعضهم قنوات تلفزية أمريكية ضمن برامج الترفيه مثل (Dean Martin Show)، وفي أفلام هوليوودية.

ويؤكد أنطوان إيشير في دراسته عن الأكروبات المغاربة في السيرك الأمريكي أن صورة البدو العرب في سيرك (act) تعود إلى سنة (1838)، مما يؤكد أن المغاربة قدموا أهراماتهم البشرية أمام الجمهور الأمريكي منذ ذلك التاريخ.

ويضيف أن إرنست ريتز أدخل أول فرقة إلى ألمانيا سنة (1852). ومن أوائل البهلوانيين الذين رحلوا إلى أمريكا نهاية القرن التاسع عشر حسن بن علي، الذي طافت فرقه أهم المدن الأمريكية بشهادة صحف منها، أسبوعية الفنون النيويوركية (The New Yorker Clipper 1904).

وحده مولاي علي السملالي، من جيل الرواد، أنصفت الكتابة تجربته إذ دونت الإعلامية الراحلة ابنته بعض لحظاتها. فهو غادر المغرب وعمره (17) سنة والتحق بفرقة بهلوانيين، وقدم عروضا بعدة “سيركات” ومسارح، ولما بلغ الرشد أدى فريضة الحج، فزار المغرب وفلسطين وسوريا وتركيا وعاد إلى أمريكا ليحصل على جنسيتها (1903). وهي السنة ذاتها التي ولج مدينة ميسوري أكبر سيرك عالمي (Ringling Brothers). وبعد قرابة ربع قرن، عاد إلى بلده، واستقر في طنجة، وأصبح “مْقَدَّمْ” المهنة ومُجَنِّدا للسيرك العالمي.

وقد سجل هذا الفن نفسه ضمن فن السيرك الغربي المعاصر، واندرج في قلب عالم الإبداع الفني بمعناه الحقيقي.

وعبر جهود مغربية، سناء الكموني، وفرنسية المخرج أوريليان بوري، وإسهام عائلة حميش في المدينة، (عائلة أكروبات أبا عن جد)، تأسست نواة مجموعة (2003)، هي “مجموعة أكروبات طنجة”. وقدمت عرضها المعنون بـ”ثوب” (350) مرة عبر العالم، وأعادت سناء الكرة مع الكوريغرافيين السويسريين (زيمرمان ودو بيرو)، فأنشآ عرضا بعنوان (انظر وانظر من جديد). وقدم العرض في مهرجان أفينيون سنة(2010) حيث حيّته الصحافة بإجماع.

كما يقدم الكتاب تجارب عدد من المغاربة الذين قضوا العمر كله أو بعضه تحت أضواء السيرك وطبوله، فبعض هؤلاء أتقن لغتين أجنبيتين أو خمس لغات، وكثير منهم جرب الزواج المختلط، ومعظمهم ذاق مرارة الطلاق، بل إن أحدهم يؤكد أن الزواج المختلط تجربة لن تعرف النجاح أبدا.. وجزء من هؤلاء ترك ذريته في بعض أصقاع العالم.

ما يزال قدماء فن البهلوان يلتقون في أحد مقاهي طنجة، يتبادلون الذكريات كمراهقين في ساحة مؤسسة تعليمية، لعل أصداء التصفيقات، والضحكات ما تزال تصلهم وتحرك الحنين في الأحشاء؟

المصدر:

القدس العربي