مسار ملك و سلالة أحفاده

أسعد المسعودي: جريدة (اوقات طنجة) تكشف حقيقة التزوير التاريخي الذي تعرض له الملك ابو عبد الله و أحفاده من طرف مؤرخي الإسبان و من طرف مؤرخي ملوك المغرب.

مسار ملك و سلالة أحفاده!

ارتأت جريدة (اوقات طنجة) ان تسلط الضوء على تاريخ الملك الأندلسي الغرناطي ابو عبد الله و اولاد اولاده، المعلوم ان عددهم كبير جداً يتواجد في مختلف القارات بعدما شتتهم الحروب و الصراعات السياسية و العقائدية عبر حوالي 7 قرون، و هو التاريخ الذي طاله العديد من اللبس و التحريف و الكذب و الإفك، لكون التاريخ عادة ما يرويه أو يحكيه المنتصرون، لذلك قامت الجريدة ببحث طويل و دقيق ومعمق لكشف الحقيقة التاريخية للملك ابو عبد الله و اماطة اللثام عن مغالطات و خزعبلات تناقلت عبر العصور و تداولت بين مثقفين و بعض المواقع الإليكترونية و موسوعات كبيرة مثل ويكيبيديا، و ذالك تحت عنوان (مسار ملك و سلالة أحفاده) أسفرت نتيجته كالتالي: 

-ولادته و نشأته و امتداد حكمه:

أبو عبد الله محمد الثاني عشر ولد سنة 1460 بغرناطة، هو آخر ملوك الأندلس المسلمين الملقب بالغالب بالله، نشأ في قصر الحمراء من أسرة بني نصر، أو بنو الأحمر،حكمت مملكة الأرغون و العديد من مدن جنوب الأندلس أهمها مالقة و غرناطة،  امتد حكمها حوالي ثلاثة قرون و بالضبط ما بين 1232 الى 1492م. و ينحدر بني نصر أو بنو الأحمر من قبيلة الخزرج الازدية التي سكنت المدينة المنورة قبل الإسلام.

في احدى من ليالي جمادى الثانية سنة 887 هجرية / 1482م استطاع ابو عبد الله الهروب من قصر الحمراء و هو شاب في سن الزهور لم يتجاوز 22 من عمره، و ذالك بعد زواج ابوه الملك ابو الحسن علي بن سعد من ايزابيلا دي سوليس التي أطلق عليها فيما بعد اسم ثريا وهي إسبانية وأبوها القائد الإسباني سانشو خيمنيز دي سوليس و أنجب معها والدان، حيث كانت ثريا فاتنة الجمال استطعت ان تتحكم في ابو الحسن الى ان نزل عند رغبتها و حاصر ابنه و والي العهده محمد و أمه عائشة الحرة في جناح بهو السباع بقصر الحمراء.

بعد هروبه جهز نفسه و أعد جيشاً قويا وهكذا ظهر ابو عبد الله في وادي أش وثار على أبيه وخلعه عن الحكم، وقامت حرب أهلية بين الابن والأب الذي التجأ إلى أخيه أبو عبد الله محمد الزغل حاكم مالقة. 

 و لما استقر ابوعبد الله في الحكم وحد صفوف الجيش و طور عتاده، و توجه به لغزو قشتالة عاصمة فرناندو الا انه هزم وأسر في لوسينا عام 1483 و قضى سنتان في الأسر، الى ان ابرم صفقة مع الملك فرناندو لإطلاق سراحه مقابل دفع له الجزية. 

في عام 1489 طلب منه فرناندو وإيزابيلا تسليم غرناطة، الا ان ابو عبد الله رفض رفضا قاطعا فأقاما حصارا على المدينة و رغم ذالك قاوم ابوعبد الله عن طريق القائد موسى ابن أبي غسان من خلال إنهاك العدو بحروب مصغرة بين الفينة و الاخرى اثناء الحصار لاستنزاف قوته الا ان الكثرة العددية لجيش الإسبان الذي اجتمع تحت راية الصليب في حرب عقائدية بجيش جرار خرج لاستئصال الاسلام من الأندلس، حيث يقال ان عدده يقدر بالملايين اغلب جنوده من الهمج الرعاع.

و بعد مرور سنتين من الحصار و امام انتشار المجاعة و الأوبئة بين مسلمي غرناطة من جهة و خيانة وزراء ابو عبد الله له و التحاقهم بالاسبان منهم أبو القاسم المليح ويوسف بن كماشة و فتوح وادي أش من جهة اخرى، و غشية ان يقوم الجيش الإسباني بمجازر دموية كما قام بها في اخر حرب على المسلمين قبل محاصرة غرناطة على طريقة الماغول و التاتار.

 دخل ابو عبدالله في مفاوضات مع فرناندو وإيزابيلا لتأمين المسلمين، و في 2 يناير 1492 استسلمت المدينة، و هو اليوم الذي مازالت تحتفل به اسبانيا لحد الان، بحيث كل ثاني يناير من كل سنة يخرج الجيش الاسباني في شوارع غرناطة في استعراض يحمل علم الأندلس تحت إيقاعات الموسيقى يحتفل بسقوط غرناطة.

- هجرته و وفاته وسلالة أحفاده :

بعد دخول الإسبان الى غرناطة سافر ابو عبد الله الى المغرب في البداية نزل في مدينة الناظور لمدة قصيرة ومن بعد ذالك انتقل الى فاس حيث بنى قصرا على الطراز الأندلسي الى ان وافته المنية عام 1533 عن سن يناهز 73 سنة.

يحكى ان عدد احفاد ابو عبدالله، كبير و ضخم جداً يقدر بالمئات، بحيث هناك رجل يقيم في المكسيك يؤكد أنه يستطيع إثبات انتمائه لسلالة أبو عبد الله من جهة ابنة الملك الغرناطي و التي كان عليها التنصر تحت اسم إيزابيلا للبقاء في غرناطة, و قد خلفت, ابنا من الملك فرناندو الكاثوليكي, فهاجرت ذريتها إلى أمريكا.

و حسب" المقري " المؤرخ الشهير ان ابو عبدالله  ترك من الاولاد احمد و يوسف، التقاهما "المقري" اثناء زيارته الى مدينة فاس سنة 1618م. 

و حسب شجرة سلالة احفاد ابو عبد الله تتوفر الجريدة على نسخة منها تفيد ان احمد ابن ابوعبدالله خلف مجموعة من الأولاد و الأحفاد الى ان وصلت الى قدور ابن عبدالله حفيده السادس المزداد أواخر القرن 18 بقبيلة بن وليشك التابعة حاليا لإقليم دريوش بمنطقة الريف بالمغرب، هذا الأخير أنجب المسمى مسعود بن قدور الذي بدوره أنجب اكثر من 7 اولاد، الا ان هؤلاء الأحفاد اخفوا نسبهم الملكي خشية تصفيتهم في وقت لم يهنىء فيه المغرب من الحروب و الظلم و القتل و غزوات المستعمر و نشأت الحركات المتمردة و المتناحرة على السلطة.

و بعد حرب الملك الحسن الثاني على مناطق الريف سنة 1958 و سحقها عن طريق الجنرال أفقير، هاجر هؤلاء الأحفاد الى هولاندا و الى مدينة طنجة حيث أقاموا لأكثر من نصف قرن.

بعد وفاة أبو عبد الله , آخر ملك مسلم لغرناطة, في مدينة فاس, دُفن جثمانه في مكان يعتزم فريق إسباني-إماراتي إخراجه منه, و في نفس الوقت إخراجه من الازدراء الذي عامله به التاريخ.

المشروع يموله الإماراتي مصطفى عبد الرحمان و يترأسه السنيمائي الإسباني خافيير بلاغوير, الذي يُعِدُّ وثائقيا و فلما روائيا حول من يسميه "الرجل  الذي أساء التاريخ معاملته, رغم أننا ندين له بنجاة غرناطة و قصر الحمراء".

بعد هجرة ابو عبد الله الى المغرب عاش به حوالي 40 سنة أخرى, دون أن يشترك في صراعات بلاط فاس و دون أن يشغل أي منصب رفيع, و توفي في صمت, و حسب ما أفاد به فرخيليو مارتنيث إنامورادو, المستشار العلمي للمشروع الإسباني-الإماراتي.

ان ابو عبد الله مدفون في المصلى, و بعد 150 سنة على وفاته, كشف المؤرخ المقري, الذي ذكر بأنه تعرف على أبناء أبي عبد الله, أن الملك المخلوع دُفِن في مصلى قريب من باب الشريعة في مدينة فاس, و هو واحد من الأمكنة الأكثر مهابة في هذه المدينة القديمة.

لقد تغير اسم الباب, و هو يحمل اليوم اسم باب المحروق, لكن المصلى ظل هناك, وسط خلاء. وقد قام بلاغوير بتصويره بواسطة الكاميرا رفقة العالم الجيولوجي لويس أفيال, الذي قام بفحص للبقعة بواسطة رادار جيولوجي و أكّد بأنه عثر, تحت القبة, على بقايا إنسانية لهيكلين عظميين, إضافة لشاهدين.

و يشكل الشاهدان مؤشرا جيدا, لأن من عادة السلاطين أن يدفنوا بجانب أحد الأولياء, و هذا المصلى معروف في الحي ب "قبر سيد بلقاسم" بالرغم من أن ذكرى أبي عبد الله قد فُقدت.

لكن, التعقيد البيروقراطي المغربي , -و بالتحديد, معرفة من سيمنح الرخصة- منعت الخبراء من القيام بحفريات أركيولوجية و طبية شرعية, و استخراج بقايا ليتم تحليلها في الكاربون 14 و تأريخ قِدمها على الأقل, إضافة لعمرها و الأمراض التي أدت إلى وفاة هؤلاء الأشخاص.

المجلس البلدي لفاس دعا مختلف الوزارات المُخولة بمنح الترخيص أو وقف الحفريات أن تبدي رأيا نهائيا للبدء في الحفريات – وزارات الثقافة, الشؤون الإسلامية و الداخلية –.

هذا و اتفق بلاغوير مع الخبير الموثوق في الطب الشرعي, الباسكي, فرانثيثكو إشبيريا, رفقة فريق من أربعة خبراء أركيولوجيين من شركة أرانزادي, على تحليل البقايا إذا وصل الترخيص, و أكّد أن العملية تستغرق 5 أيام سيستخرجون العظام أو الأسنان, و أن تحليلهم سيستغرق الشهرين فقط.

كما أن هناك إمكانية للبحث عن بقايا أخرى لوالد أو جد أبي عبد الله, المدفونين في قلعة بلدة المنكب, قرب غرناطة, حسب ما أكده عبد الرحمان.

و يهدف الراعي الإماراتي لفكرة بلاغوير, لاسترداد سمعة أبي عبد الله الذي كان رجل دولة, محاربا, و مفاوضا عظيما يجب أن يخلده التاريخ لأنه فضل إنقاد حياة شعب بكامل على الحرب.

عبد الرحمان تأسف لاعتبار التاريخ أبا عبد الله جبانا, بل و خائنا, اشتهر بسبب حكاية خاطئة: " حكاية أمه التي وبخته قائلة: "ابك كالنساء ملكا لم تحفظه كالرجال".

و يُفضل الإماراتي التركيز على أنه كان "سياسيا ممتازا و مفاوضا" عرف كيف يحفظ حقوق الغرناطيين, كما أخذ معه آلاف الذين لم يريدوا البقاء في "غرناطة ما بعد الاسترداد" (من بينهم ألفي يهودي).

"كان رجلا ذهب ضحية للظروف التاريخية. سيكون من الرائع العثور على بقاياه, لكن, إذا لم نستطع ذلك, سنكون على الأقل قد نجحنا في إثارة الحديث حول من كان: رجلا عظيما".

- كشف حقيقة التزوير التاريخي الذي تعرض له ابو عبد الله: 

ارتأت جريدة (اوقات طنجة) كشف حقيقة القصة المنسوبة لأبي عبد الله (رحمه الله) بعد بحث طويل و دقيق و معمق، للجواب على أسئلة : ها هي الظروف التي شابت انتقال أبي عبد الله إلى المغرب؟ و ما هي المعاملة التي تلقّاها هناك؟ و متى توفي؟ و أين؟ و كيف؟ و ما هي الأكاذيب التي لفقها المؤرخون الاسبان لتشويه سيرة أبي عبد الله (رحمه الله)؟ هذا ما أجاب عنه الباحث الإسباني ليوناردو بيلينا Leonardo Villena في حوار أجراه معه رفائيل بيلتشيز Rafael Vilchez في مقال بعنوان (كذبة لتلميع الصورة) (Un bulo para poder lucirse). 

و تحدث ليوناردو بيلينا قائلا : ( و أقول أن هذا غير صحيح – مؤكّدا – لأنه في معركة واد الأسود , سنة 1536م , غلب الإخوة الشرفاء الوطاسيين. لكنهم لم يحتلوا المدينة الإمبراطورية فاس إلا سنة 1554م , و واضح أنه خلال هذا التاريخ كان أبوعبد الله مدفونا بجانب والدته).

و أكّد بيلينا كذلك أن : ( نفسه لافوينتي القنطرة , بإتباعه للمؤرخ توريس Torresصاحب كتاب (تاريخ الشرفاء), أكّد أن سلطان فاس خلال هذه الفترة لازال من بني مرين, بينما الحقيقة أن الوطاسيين أزاحوا المرينيين من السلطنة سنة 1472م.

بالإضافة إلى ذلك, عدم صحة ما قاله المؤرخ لويس دي مارمول كارباخال Luis de marmol carvajal في كتابه المسمى (تاريخ الثورة و عقاب المورسكيين) الذي اعتبر فيه أن سلطان فاس اعتقل أبو عبد الله فأعماه و كبّله بالأغلال حتى يسرق ثروته ,ثم تركه يتسول في الشوارع). 

تناقض و حسب بيلينا : (هناك مؤرّخ آخر كلفوينتي القنطرة Lafuente Alcantara سقط في أخطاء عندما أكّد أن وفاة أبوعبد الله كانت سنة 1513م في معركة واد العبيد Guadal Hewit أو معركة واد الأسود سنة 1536م. وقد أعطى هذا و غيره من المؤرخين أرقاما تقديرية للقوات التي شاركت مع كل طرف من المتحاربين. 

إحدى هذه المعارك حدثت في منطقة قريبة من إقليمي هسكورة و تادلة , حيث يندمج واد العبيد بواد أم الربيع , و قد بيّن التاريخ أنه لم يمت في هذه المعركة, لأنه لو اعتمدنا على روايات تاريخية محترمة كروايات المسلمين فإن أبا عبد الله مات بمنزله و حوله أبناءه سنة م1533 عن عمر يناهز ثلاثة والسبعين سنة).

 و أبرز بيلينا أن أباعبدالله لم يبكي عندما غادر غرناطة و لم تقل له أمّه : (ابك كالمرأة ملكا لم تعرف الدفاع عنه كالرجل). هذا كله اختراع و أكذوبة للمؤرخ أنطونيو دي غيفارا, أسقف قادش و موندونييدو Mondonedo, و ذلك في صيف 1526, حيث أراد تلميع صورته في أعين الإمبراطور شارل الخامس الذي كان في غرناطة لقضاء عطلة شهر العسل بعد زواجه من إزابيلا البرتغالية).

 الأستاذ و الكاتب ليوناردو بيلينا بيّن أن سيرة أبي عبد الله و جزءا من عائلته أغلبها مملوء بالتحريفات المتعمدة. فليس هناك شك في أن فاطمة هي زوجة أبي الحسن و أنهما كانا أبوين, لكن ليس أكثر. و هكذا فقصة (زفرة العربي الأخيرة) خاطئة لأن أبا عبدالله لم يمر عبر الطريق القديم بين غرناطة و متريل (و هو الذي نسبت إليه القصة).

 فحسب الكاتب: ( أبو عبد الله توقّف مرّة واحدة لمشاهدة غرناطة من بعض المرتفعات الجبلية للبدول Pedul من باب المنار, لأنه من هنا أخذ يتفكر في طريق البشرات Alpujjara). (قدّم ليوناردو بيلينا Leonardo Villena مؤخرا كتابه (الزفرة الأخيرة للملك أبي عبد الله) El ultimo suspiro del rey Boabdil .

يتألف الكتاب من 190 صفحة, و تمّ طبعه بلوكرين Lecrin بمطبعة دوكلينيا Duclinea. في هذا الكتاب يؤكد المؤلف على أن (زفرة أبي عبد الله الأخيرة) ليست سوى اختراع من طرف الأسقف أنطونيو كيفارا Antonio Guevara للحصول على مصداقية لدى الإمبراطور شارل الخامس.

مصادرنا: 

- رواية الكاتب الإسباني المعروف "أنطونيوغالا "والتي تحمل عنوان "المخطوط القرمزي " التي يعتبرها بعض النقّاد من أروع ما كتب فى لغة سيرفانتطيس فى الأدب الإسباني المعاصرحول مأساة آخر ملوك دولة بني الأحمر السّلطان أبي عبد الله. 

- المؤرخ الشهير "المقري".

- شجرة سلالة احفاد الملك ابوعبدالله.

- جريدة الشرق الأوسط الصادرة بتاريخ 13 يونيو 2013 تحت عدد 12616.

- وكالات و مواقع أهمها موقع Ideal.es.

قصر الحمراء بغرناطة 

قصر الحمراء بغرناطة 

الصحفي  أسعد المسعودي في ساحة بهو السباع بجناح الملك أبو عبدالله أثناء زيارته لقصر الحمراء بغرناطة خلال قيامه بهذه الدراسة المنشورة أعلاه

الصحفي  أسعد المسعودي في ساحة بهو السباع بجناح الملك أبو عبدالله أثناء زيارته لقصر الحمراء بغرناطة خلال قيامه بهذه الدراسة المنشورة أعلاه