هل سيؤدي تفاقم الاعتداءات على النخبة الأمازيغية من أصول ريفية إلى مطالبة منطقة الريف بحكم ذاتي؟

الأوقات - الرأي : أسعد بن أحمد بن مسعود

أثبتت إحصائيات أن عدد من اعتداءات تحدث في مختلف ربوع المملكة المغربية، تستهدف بعض المغاربة الذين يعتبرون من النخبة الأمازيغية من أصول ريفية، الرافضة لهيمنة لوبيات الفساد، أشهر هذه الاعتداءات محاولة قتل الأمازيغي نقيب الصحافيين المستقلين بطنجة، المنحدر من جماعة بن طيب اقليم الدريوش بالجهة الشرقية، خلال الشهر الماضي، وبالضبط يوم 05 يونيو 2016 بوسط عروس الشمال في واضحة النهار، من طرف فرقة كوماندو مدربة كانت على متن سيارتين ويقدر عددها بحوالي ثمانية مهاجمين حسب ما سجلته كاميرا للمراقبة تابعة لمؤسسة بنكية في مكان الحادث، تتوفر ولاية أمن طنجة على نسخة من الفيديو.

تعرض  النقيب الأمازيغي ضحية محاولة الاغتيال، لعدة طعنات وذبحات في مختلف أنحاء جسده من طرف مجهولين، تطلب ذلك، إجراء له عملية جراحية في مصحة خاصة بطنجة دامت لحوالي أربع ساعات، هذا الاعتداء العنصري الظالم أغضب أبناء عمومة الضحية الموجودين في عدة جماعات بمنطقة الريف منها بن طيب وتاغزوت والمهاجر ووردانة وكل هذه الجماعات التي أسست جمهورية الريف سنة 1921، يوم وقع انفلات أمني كبير بالمغرب وتبعته أعمال السيبة ودخول المستعمر.

هذا الاعتداء الماغولي الذي أسال الكثير من مداد الصحافة أغضب كذلك، أمازيغ الجزائر وليبيا، اللافت، أن المديرية العامة للأمن الوطني لحد الأن لم تصدر بلاغ رسمي توضح فيه ملابسات هذا الهجوم الدموي الذي يحمل بصمة ارهابية، رغم أن الاعتداء على صحافي أمازيغي هو إعتداء على كل أسرته الأمازيغية، التي تقول أن عبد اللطيف الحموشي المدير العام للشرطة قد تخلى عنها، لكون جناية محاولة الاغتيال هذه سجلت ضد مجهول وفي طريقها إلى الحفظ، وتتساءل هذه الأسرة الأمازيغية لماذا لم يتدخل المكتب المركزي للأبحاث القضائية لكشف خيوط هذا الملف الشائك الذي تحول الى الجريمة اللغز، نظرا لما تكتسيه هذه الجناية من خطورة على أمن وسلامة المواطنين وإحساسهم الأمني، المرتبطة بالمهام المخولة ل "بسيج" في التصدي للجريمة بشتى أنواعها وتضييق الخناق على الشبكات الإجرامية.

اذا كانت الرباط قد استرجعت الأقاليم الريفية بعد الحرب العسكرية التي دامت خمسة أشهر ما بين أكتوبر 1958 وفبراير 1959، في ظروف تاريخية معروفة أدت إلى الضغط على الأمازيغ لإجراء صلح مع السلطان ومبايعته حقناً للدماء، تزامناً مع رفضهم القاطع لاستقواء بالخارج، فبعد مرور 16 سنة قام الملك الراحل الحسن الثاني بالمسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975، استرجعت المملكة على اثرها أقاليمها الجنوبية، الا ان بعض المحسوبين على الشعب الصحراوي رفضوا مبايعة الملك، واعتبروا المغرب أنه سلطة احتلال واستمدوا قوتهم من دول أجنبية في اوروبا وأمريكا اللاتينية وجمهوريات إِفريقية.

ومن بعد ذلك ماذا حصل؟ تنازل المدعو محمد ولد عبد العزيز المراكشي عن جنسيته المغربية، وأسس ما يسمى بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية فوق الأراضي الجزائرية، وذلك، أثر كثيراً على المغرب، خصوصا بعد إعطاء امتيازات كبيرة لسكان المناطق المسترجعة في 1975 على حساب باقي الشعب المغربي، بحيث تم تحويلها الى أقاليم معفية من الضرائب استنزفت أموال المغاربة، وفي عهد الملك الحسن الثاني، عندما كان يتعرض طالب صحراوي واحد لاعتداء بسيط كانت السلطات تعتقل عشرات الطلبة وتحيلهم على المحكمة التي كانت تدينهم بعقوبات قاسية.

قضية الصحراء المغربية العادلة التي تنتظر الحصول على الشرعية الدولية، أثرت كثيراً على المغرب فعلاً، على مدار 41 سنة، (أمريكا أسقطت أنظمة دول بأكملها واحتلت أفغانستان والعراق وعينت عليها حكام تابعين لها خلال سنتين فقط 2001-2003)، الدبلوماسية المغربية صارت دائماً منفعلة في بعض اللقاءات الدولية تحتج على عرض خارطة العالم تظهر المملكة مبتورة من أقاليمها الجنوبية، بل حتى بعض الجمهوريات الكارطونية التي تحدث فيها الانقلابات العسكرية بين الفينة والآخرى، صارت تلعب بدورها بورقة الصحراء المغربية تارة تعترف بها وتارة تسحب اعترافها لتحقيق مصالح سياسية معينة.

لن نتكلم عن تمديد مهمة المينورسو وملفات حقوق الانسان والثروة السمكية والانسحاب من الاتحاد الافريقي وقرارات مجلس الأمن والامم المتحدة والتصريح الأخير لبان كي مون والمسيرات المليونية في شوارع العاصمة، لأننا لا نريد تعميق الجراح، المملكة المغربية أقرت رسمياً بأن الشعب الصحراوي المغربي صاحب قضية ومنحته طبقاً للقوانين والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب والتي تنص على أنه من حق السكان الأصليين لأي منطقة في العالم ان يطالبون بحكم ذاتي، وعرضت المملكة على مغاربة الصحراء مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ولكن محمد ولد عبد العزيز المراكشي رفض في ذاك الوقت.

نفس الأسباب التي تبنت عليها الرباط ومنحت مقترح الحكم الذاتي لمغاربة الصحراء، تتوفر في مغاربة الريف الذين غيروا مجرى التاريخ يوم 17 يوليو 1921 في معركة أنوال 3000 مقاتل من سكان الريف، في مواجهة جيش نظامي يقدر بحوالي 18000 جندي إسباني، انتهت بالانتصار التاريخي لأمازيغ الريف، وبالهزيمة الكبيرة للاسبان الذين لم يتقبلوها وأطلقوا عليها اسم كارثة أنوال، أدت الى احتجاجات كبرى في اسبانيا تبعها انقلاب عسكري في 12 شتنبر 1923 تسلم فيه الحكم الجنرال بريمودي ريفيرا، وبالتالي معركة أنوال غيرت موازين القوى على مستوى العالم، ولكن مغاربة الريف رفضوا الاستقواء بدول أجنبية واختاروا مبايعة الملك.

الاعتداءات التي يتعرض لها مغاربة الريف ويتم تسجيلها ضد مجهول (محاولة اغتيال الأمازيغي نقيب الصحافيين المستقلين بطنجة أنموذجا) أمر غير مقبول، فهل تفاقم الاعتداءات على النخبة الأمازيغية بسبب الانفلاتات الأمنية، وبقاء الجناة أحرار طلقاء، ستدفع أمازيغ الريف الى مطالبة الرباط بحقهم في الحصول على حكم ذاتي تحت السيادة المغربية، حكم ذاتي في كل المجالات اقتصاديا اجتماعيا سياسيا خصوصا الجانب الأمني المتمثل في توفير لهم الحماية المسلوبة منهم وحفظ حقهم في الحياة؟

حكم ذاتي شبيه بالتجربة الناجحة في إقليم كتالونيا الإسباني، الذي له علم خاص به الى جانب راية المملكة الإسبانية وشرطة خاصة به تحمي الكتالونيين وتسهر على ترسيخ العدالة لكون العدل هو أساس الملك، فمن يملك قوتي يملك حريتي، الحكم الذاتي لمنطقة الريف هو حلم أي أمازيغي ريفي حر خصوصا المثقفين من لهم دراية بالتاريخ الموجودين في المهجر، الذين ما فتؤوا يعبرون عن استعدادهم العودة الى أول رقعة أرضية بمنطقة الريف تحصل على حكم ذاتي للعيش بكرامة وعزة والاستثمار فيها، الجهوية المتقدمة التي أطلقها الملك محمد السادس منذ سنوات، لم تعرف طريقها إلى التنزيل، ومازال مفهوم المركزية هو السائد، فعندما يشتد الخناق على أي ادارة عمومية بالمغرب يقولون لك اذهب الى الرباط.

ومن يدري  قد يكون تفعيل الجهوية المتقدمة بديلا للحكم الذاتي بالنسبة لمنطقة الريف، ولكن المؤسسات الأمنية المغربية مطالبة بمراجعة سياسياتها اتجاه الأمازيغ من أصول ريفية وحفظ حقوقهم بالتساوي مع باقي المواطنين المغاربة، لكون الاعتداء على النخبة الأمازيغية من طرف شبكات اجرامية وعدم الوصول الى الجناة، يجعل هذه النخبة تحس بالظلم ويدفع إلى اثارة النعرات العرقية ويجعلها تحس بأنها مستهدفة و أن المصالح الأمنية قصرت في حقها.