مستشفى محمد الخامس بطنجة: في زمن انعدمت فيه الإنسانية.. يصعب أن تتحدث عن الضمير وأين غاب

الأوقات- حفصة ركراك: آهات تعلو في كل الأماكن، صراخ هنا وهناك، سب وشتم وضجيج، وفوضى عارمة، في كل جناح تجد حكاية، حكاية عنوانها المأساة والمعاناة، تتأمل في وجوه البعض فتجدها تلفظ الكآبة العميقة، والأخرى تصرخ بصمت مميت.

لا أتحدث هنا عن معتقل سري، أو منطقة تعاني الحروب، أو أخرى يشكو أصحابها من قلة الزاد، بل أتحدث عن مكان يتردد عليه  المواطنون وقت الحاجة، ويقصدونه قصد العلاج ووصف الداء والدواء، إنه مستشفى محمد الخامس بطنجة، وسط خصب من المعاناة الحقيقية، والذي يعتبر نموذجا يحتذى به في معظم المستشفيات العمومية بالمغرب...

تكاد تستغرب من الممرضات أصحاب الضمير الزائد، وهن يستقبلن مرضاهن بما لذ وطاب من الكلام النابي، خوف وهلع يصيب المرضى عوض أن يحسوا بالأمن والاطمئنان، غريب أمر هؤلاء، وكأنهم بذلك يؤدون خدمة إضافية بضغط شديد من جهة ما، العاملون بالمستشفى، كانوا أطباء أو ممرضات، فالاثنين معا، وجهان لعملة واحدة، ينتظرون منك ورقة أو ورقتين، لكي يتراجعوا عن لا مبالاتهم قليلا، أما إن كنت من أصحاب الذين يفتقدون هذه الورقات، فليس لك والله إلا أن تنتظر أجلك ببطء حاد ومميت، فلا يوجد من ينتبه لصراخك ونجدتك، أو يلتفت إليك ليقدم لك ولو مساندة معنوية، تلك هي حال الضمائر الحية المتواجدة في هذا الملجأ المخيف...

أصبح هذا المستشفى لا يستقبل سوى المساكين، من ذوي الدخل الضعيف، الذين لا يجدون بديلا له، أما من تجاوز مرحلة ضعف الإمكانيات، فيكون من المستحيل جدا أن يزورهذا الملجأ المخيف، وإنما يكون ملاذه الوحيد، في المصحات الخاصة، التي تحظى بعناية خاصة لهذه الطبقة.

هنا يبدو الأمر واضحا وجليا، فبما أن المساكين والمحتاجين هم أبطال هذه القصة، فلا حاجة إذن لمن يتكلم باسمهم، أو يتحدث بلسانهم، تلك هي سياسة الغاب التي عدنا إليها مرة أخرى، البقاء للأقوى، فالقوي يأكل الضعيف.

وأنت تتجول في أجنحة المستشفى، لا تمر على جناح إلا وتصطدم بكارثة معينة، المرضى وكأنهم جثث مرمية تحتضر، وتتأوه من الألم، والممرضات عابسات الوجه، يتجولن من هنا إلى هناك، تاركات خلفهن بعض الكلمات القاسية والنابية، يقذفن بها إلى المرضى من أجل السكوت قليلا، حالات كثيرة تستدعي منا أن ننقل لكم في كل يوم حكاية، بطلها مسكين أو مسكينة، ومكانها هو الملجأ المخيف الذي اصطلح عليه بالمستشفى، وإن كان معناه بعيد كل البعد عن هذا المصطلح، لكننا لا نريد حكاية من أجل الحكاية، ولكننا نطمح إلى ما وراء الحكاية، نريد أن نتساءل عن الضمير وأين غاب ..؟