أحمد الواري.. غريب في طنجة يحتاج رحمة الله

الأوقات- العربي الجديد: تراه في شوارع مدينة طنجة. رجل بلحية كثة وحواجب سميكة وعيون مكحلة. ثوبه المزركش يلفت أنظار المارة. لو اقتربت منه، لوجدت بطاقات وقصاصات من صحف وقطع حديدية وأشياء أخرى جميعها معلقة في ثوبه. يمشي وحيدا متأملا. بالكاد يقترب منه أحد للحديث معه، على الرغم من أنه لم يضايق أحداً. ربما يخافه الناس. يبدو ذلك جليا. كانَ أحمد الواري يحمل قطته في ساحة سوق “دبرا”، وسلة مليئة بالخبز. يبيعُ الأرغفة إلى الناس. هذا مصدر رزقه الوحيد. يقول إنه إنسان عادي، وما يرتديه مجرد لباس تقليدي يعود إلى عصر جده ومولاه عبد السلام، الذي عاش في منطقة الجبال في شمال المغرب، وحكمها”.

يتحدّث عن التعاليم التي ورثها عن جده. يقول إن “الشرفاء لا يسعون وراء شيء. المياه والرزق من عند الله. أقتنع بما يعطيني إياه ولا أخفيه عن الناس. لا أقهر أحداً ولا أجرح أيا كان. أحتاج الرحمة من الله فقط”. لا يفهم الناس كلامه ويستغربون زيّه وهيئته. يقول إن “الناس لا تؤمن بهذا الشيء، لكننا جئنا به من أجدادنا. لا يرتدي أحد لباسنا. هذه ثياب مُلك والمُلك فيه سبعة بحور، والبحور فيها سبعة رجال مخفيون من عمد الله، وسبعة مواد، وسبعة أراضٍ. نحن نختبر من الله، والشر هو الأصعب”. هذه المرجعية الدينية الشعبية التي يتبعها الواري تفرض عليه ارتداء هذه الثوب صيفاً وشتاءً. يحكي عن الثوب الذي استغرقت صناعته ثلاث سنوات. يقول “أخذت أجزاء من سبعين ثوبا وسبعين لونا”، لافتا إلى أن “القطع خير له في الدنيا”. يضيف “الدنيا تمنحك إذا اتبعتها، وترفضك إذا رفضتها، وأنا رفضتها”. وبسبب هيئته الجديدة، قاطعه أقاربه، وأوّلهم والدته التي كان يعمل معها في تجارة الملابس.

ترك الواري عمله في البناء والطلاء، ثم صار يبيع بعض الأغراض على بسطة. يقول: “لست صوفيا. أتبعُ أولياء لا يظلمون أحداً ولا فرق عندهم بين يهودي أو مسيحي أو مجوسي أو أية ديانة أخرى”. يضيف: “أحب من الناس من يقتنع بما أعطاه إياه الله. أحمل قفة كل صباح، وأذهب للبحث عن خبز الكارم (خبز مغربي يابس)، وأبيعه بعد تجميعه. عملي هذا حكمة من عند الله”، لافتاً إلى أن “سنوات القحط ستأتي في القريب العاجل”.

 

لم يكن سهلاً على الواري أن يصير على هذا النحو أو “حالة استثنائية ومختلفة”. بداية، واجه مشكلة مع رجال الشرطة الذين منعوه من السير في الشوارع، وعرضوه على طبيب نفسي لمدة خمسة أيام للتأكد من سلامته. وحين تأكدوا من الأمر، سلّمته الشرطة شهادة كُتب فيها أن هذا الرجل صالح ولا يؤذي أحداً، ولا يبتغي الفتنة ولا العنف، مما جعله قادراً على السير في الشارع، بثوبه المؤلف من سبعين لوناً. 
 
وأكثر من عانى من هذا التحوّل هو زوجته وأولاده الأربعة في البداية. تبدلت حياتهم فجأة. كان هذا الوالد يأخذهم في نزهات، ويملك بيتاً وسيارة. كانت حياتهم عادية. يقول “الحياة اختلفت. شعر أولادي الأربعة بحجم التغيير. كانوا يريدون أن أرتدي لباساً طبيعياً عندما أخرج معهم”. يضيف “أعطيهم حريتهم ولا أسيطر عليهم. أقضي وقتاً معهم. ولديّ خلوتي مع نفسي أيضاً”. اليوم، يعيش الواري لوحده، فيما تعيش زوجته وأولاده في بيت جدّهم. يحرص الواري على زيارة ضريح مولاي عبد السلام في المناسبات الدينية، كالمولد النبوي والبوعراقية في طنجة، ودرقمانة في وزان، وأمكنة أخرى في مكناس والرباط والدار البيضاء ومراكش. يقول: “أمضي هناك مدة أسبوعين أو أكثر”. 
 
ماذا لو لجأ إليك الناس لاستشارتك في أمور الشعوذة والسحر؟ يجيب “لا يأتي أحد إلى بيتي. ومن يلتق بي في الشارع، أنصحه بما أعرف فقط”. يقول “أنا هذا الرجل البوهالي، لست عنصرياً ولا أسعى للفتنة. أطلب السلام وأدعو للخير. لا أتبع حزباً سياسياً، ولا أقبض مالاً من جمعية أو أية جهة”. لا يعتقد أنه سيتخلى عن لباسه هذا طوال حياته. وحتى لو فعل ذلك، لن يتخلّى عن معتقداته وفلسفته الخاصة بالحياة.
 
يبدو أن الناس كانوا بحاجة إلى التشجيع كي يقتربوا ويستمعوا إلى الواري وهو يتحدث، فيما يفضّل آخرون التقاط الصور له فقط. بدا ذلك واضحاً خلال لقائنا به والسير معه من ساحة السوق وصولاً إلى دوّار الحرية. وخلال سيره، استوقفته امرأة وطلبت نصيحته، هي التي تنوي بيع بيتها. بدا الرجل لافتاً أيضاً للسياح بعصاه وقبعته وحذائه. من جهة أخرى، يحرص أصحاب بعض المحال على دعوته خلال إقامتهم معارض فنية، وخصوصاً أن زيه يجذب الكثيرين ما قد ينعكس إيجاباً على مبيعاتهم، ولا يتردد آخرون في طلب شراء ثوبه المميز.