دراسة: المغاربة يؤمنون بالوساطة ولايثقون في السياسيين ويساندون الاحتجاجات

الأوقات- وكالات: المجتمع المغربي قائم على بنيات تقليدية من حيث العلاقات والتماسك والثقة، لكن هذه البنيات التقليدية آخذة في التآكل والضعف دون أن تعوّضها بنيات عصرية قادرة على الحفاظ على التماسك الاجتماعي وضمان قنوات الوساطة وتصريف التوتّرات.

هذه خلاصة دراسة هي الأكبر من نوعها في مجال قياس مستوى التماسك الاجتماعي بالمغرب، كُشف عنها النقاب أخيرا بعدما بقيت ضمن أسرار المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية. الوثيقة العلمية المرجعية التي تطلّب إنجازها أربع سنوات من العمل، بين 2009 و2012، ومشاركة 120 متدخّلا، نصفهم أساتذة جامعيون والنصف الآخر باحثون يحضّرون الدكتوراه، تطلّبت إنجاز 24 تقريرا موضوعاتيا، وأكثر من 40 ندوة علمية، تخلّلها إنجاز بحث وطني حول الرابط الاجتماعي، امتدّ لفترة 18 شهرا وشمل أكثر من 5000 شخص أجابوا عن استمارات تتضمّن 345 سؤالا.

الثقة في الأسرة والعائلة اولا

أبرز نتائج الدراسة، التي نُشرت في كتاب جديد تحت إشراف إدريس الكراوي، كشفت عن استمرار الروابط الأسرية والعائلية احتلال صدارة العلاقات التي تتمتّع بثقة المغاربة، في مقابل ضعف الثقة في البنيات السياسية والمدنية التي تتأسس عليها المجتمعات العصرية. وأوضحت خلاصات الدراسة أن هناك ارتفاعا في مظاهر انعدام الحس المدني في الفضاءات العمومية والطرق والفضاءات الجماعية، كالملكيات المشتركة، «وازدادت معها مظاهر عدم احترام القانون والممتلكات العمومية وممتلكات الغير والمساس بحقوق الأشخاص وسلامتهم المدنية والمعنوية». وأوضحت إحدى خلاصات الدراسة أن أزمة الوساطة الاجتماعية والسياسية تشكّل «أحد مظاهر هشاشة الرابط الاجتماعي، وتتفاقم هذه الأزمة بسبب تدنّي مستوى الثقة، ومن تجليات ذلك على المستوى السياسي أزمة العلاقات القديمة التي محورها الأعيان، وأطر الوساطة التقليديين، فضلا عن تشتت الحقل السياسي وبطالة شباب حضري يكاد يدير ظهره للسياسة.وفي الحالتين، فإن بروز المجتمع المدني والدور المتنامي لوسائل الإعلام لا يفلحان في حل الأزمة».

خلاصات الدراسة التي أنجزها مركز التفكير المرتبط بالمؤسسة الملكية تفسّر مجمل القرارات والسياسات التي تم الإقدام عليها في السنوات الأخيرة، والتي تسعى إلى منع انهيار التماسك الاجتماعي ومعه البناء المؤسساتي للدولة، من خلال محاولات لإقامة هيئات جديدة للوساطة واستيعاب المطالب وامتصاص التطلّعات والحركات الاحتجاجية. ففي ختام تقديمه للدراسة في ندوة نُظّمت مؤخرا في الرباط، وحصلت «أخبار اليوم» على كتاب يضمّ مداخلاتها، قال مدير المركز، توفيق ملين، إنه من الضروري الانتقال من مجتمع العلاقات إلى مجتمع الحقوق، «وتعزيز سيادة القانون وتقوية الطابع المؤسسي للعلاقات بين الدولة والمواطنين، وتعزيز الوساطة والديمقراطية التشاركية ومضاعفة جهود محاربة الرشوة وتعميم مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة». كما دعت خلاصات التقرير النهائي للدراسة إلى تفعيل سياسة أفقية ومندمجة للتضامن الاقتصادي والاجتماعي والمجالي وبين الأجيال، «الأمر الذي يتطلّب محاربة كل التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتفعيل سياسة ناجعة في مجال الأسرة، وتعزيز أشكال التضامن المؤسسي، بالموازاة مع تعزيز أشكال التضامن التقليدية، وتفعيل سياسة تعنى بالمدينة، ووضع سياسة عمومية موجهة للشباب، وضمان تجانس السياسات العمومية وقربها».

تطور في أساليب الاحتجاج

المقترحات التي خلصت إليها هذه الدراسة غير المسبوقة لم تغفل الجانب الهوياتي، حيث أوصت بتفعيل سياسة جديدة للهوية، «الأمر الذي يتطلّب أجرأة الازدواجية اللغوية الرسمية، وتعزيز المكتسبات الناتجة عن إصلاح الحقل الديني، وتفعيل سياسة التعدد الثقافي، وبلورة استراتيجية للتواصل والإعلام في خدمة الجيل الجديد من الإصلاحات، وتطوير سياسة البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من أجل معرفة أفضل بمختلف جوانب الواقع المغربي». هذه التوصيات تكاد تتطابق مع التوجيهات التي تضمّنها الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش، والذي خصّصه الملك محمد السادس للتنبيه إلى أهمية الرأسمال اللامادي للمغرب.

الدراسة حذّرت من خطر سمته بـ «تجذّر الحركات الاجتماعية الذي لا يستهان به»، موضحة أن هناك تغيّرا حصل في شكل الاحتجاج والشعارات المرفوعة، «هكذا أصبحت الحركات الاجتماعية مهيكلة ومؤطرة بشكل أفضل، وهي تسعى إلى تحقيق مطالب اجتماعية أساسا، وترفع شعارات قطاعية، ما يدل على أن الاحتجاج قد اتّخذ شكلا حديثا…». تطوّر في أسلوب الاحتجاج جاء في وقت تسود فيه «نسبة مقلقة من العلاقات بين الأفراد، وبين المواطنين والدولة، تُنسج على هامش القوانين. ويجدر تدارك هذه الوضعية كي لا تعرّض سلامة الدولة للخطر، أو يتم إضعاف جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية»، تقول إحدى خلاصات الدراسة. وفي الوقت الذي تستمر فيها الروابط الأسرية في تصدّر مصادر إحساس المغربي بالأمان والثقة، فإن التحولات التي شهدها المجتمع المغربي أدت إلى إضعاف العلاقات داخل الأسر، وبالتالي إضعاف الرابط الاجتماعي والعيش المشترك. فيما «تتسم الثقة بالضعف، سواء بين الأشخاص أو تجاه المؤسسات، مع أن قيمة الثقة هي المعيار الذي نقيس به قوة أو ضعف نظام مجتمعي ما، وقدرته على مقاومة عوامل التفكك