محللون سياسيون يشرحون الأسباب التي جعلت المصباح الحزب الإسلامي الوحيد الذي قاوم موجات الخريف العربي

الأوقات- الأناضول: بعد أن حملت رياح الربيع العربي بعض الأحزاب الإسلامية إلى سدة الحكم في عدد من الدول العربية، بدأت أوراق بعضها تتساقط، إلا أن حزب "العدالة والتنمية"، الذي يقود الحكومة المغربية خلق المفاجأة، وبقي محافظاً على تدبير الشأن العام، ليعزز موقعه خلال الانتخابات المحلية الأخيرة.

وبحسب باحثين مغاربة، فإن استمرار حصول "العدالة والتنمية" على مراتب متقدمة في الانتخابات، رغم تراجع أحزاب إسلامية عربياً، يعود إلى "قوة بيته الداخلي"، واعتماد "سياسة واقعية"، فضلاً عن "سياسة التدرج في عمله السياسي"، والاعتماد على النتائج الاقتصادية والاجتماعية بدل السجال حيال النقاط الخلافية، مثل الحرية الشخصية، وهو ما جعله يقاوم موجات الخريف العربي.

وقال إدريس الكريني، الأستاذ في كلية الحقوق جامعة القاضي عياض، بمدينة مراكش، إنه "ينبغي أن لا توضع الأحزاب أو التيارات الإسلامية في سله واحدة، لأنها تنشأ في طابع سياسي ومحيط مختلف تساهم في تشكيل خصوصيتها".

واعتبر الكريني في حديث مع الأناضول أنه "رغم الصعوبات التي عرفها "العدالة والتنمية" في البدايات، إلا أن النتائج التي حصل عليها كانت متدرجة وجيدة، بالإضافة إلى مراجعات أفكاره في وقت سابق، انسجاماً مع التحولات المجتمعية".

وأضاف أن "مشاركة الحزب في العمل السياسي بتدرج، ساهم في نجاحه، عكس بعض الأحزاب الإسلامية في كل من مصر وتونس، والتي حصلت على السلطة بشكل مفاجئ وسريع، إذ أن تدبير الحكومة أو البلديات يتطلب تجربة سابقة ودراية بالواقع السياسي وخبرة".

وتابع: "حزب "العدلة والتنمية" سبق وأن شارك في الانتخابات قبل الربيع العربي، كما أنه لم يدخل في سجال يركز على النقاط الخلافية، مثل الحريات الشخصية، والعلاقة مع الغرب، مثلما وقع لدى إسلاميي مصر وتونس".

وأشار الكريني إلى الضوابط التي يمكن أن تحكم وتضبط عمل الحزب الحاكم في بلاده، والتي تتعلق بالمؤسسة الملكية، والتحالف الحكومي الذي يضم إلى جانب الإسلاميين اليساريين واليمينيين".

ولفت إلى أن ضعف بعض الأحزاب "ساهم في ارتفاع أسهم العدالة والتنمية، خصوصاً أحزاب المعارضة، كحزبي الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية".

وفي هذا الصدد، رأى الأستاذ الحقوقي أن "حزب "العدالة والتنمية" نجح في استثمار بعض منجزاته في الحكومة في خطابه السياسي، وهو ما جعله يضاعف نتائجه في الانتخابات البلدية (التي جرت في الرابع من الشهر الجاري)، بالإضافة إلى أن المحافظات التي يديرها لم تعرف فساداً مالياً، أي أن نظافة اليد أحد نقاط قوة الحزب".

وأردف قائلاً: "النظام السياسي في البلاد، والمواطنون لا يمكن أن ينسوا دور "العدالة والتنمية" في الحراك العربي، خصوصاً أنه تحمل مسؤولية تدبير الحكومة في مرحلة صعبة من تاريخ المغرب، فسرها بعض المحللين بمرحلة تنفيس وخلاص من ضغط سياسي واجتماعي". 

ووفق الكريبي، فإن "الانتخابات المحلية الأخيرة، شكّلت محكاً حقيقياً لشعبية الحزب، والتي بينّت أنه لا يزال يتوفر على شعبية، وهي في تزايد مستمر، فضلاً عن أنه يعي ما يقع في المحيط العربي، وأن له خياران إما تحقيق نتائج لصالح المواطنين والتغلب على مختلف المشاكل المطروحة، أو أن يكون حطب المرحلة"، لافتاً في هذا السياق إلى أن الحزب "ما زال حتى اليوم، يتعامل مع المرحلة بذكاء".

من جهته قال ميلود بلقاضي، أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية "أكدال"، بالرباط، إن "استمرار حزب "العدالة والتنمية" في اكتساح الانتخابات، سواء المتعلقة بالبلديات، أو التشريعية في وقت سابق، يرجع إلى الاستثناء المغربي المتعلق بالإسلام السياسي، حيث أن الدستور وقانون الأحزاب يمنعان تأسيس حزب سياسي على أساس ديني أو طائفي، والحزب الحاكم حزب سياسي بخلفية إسلامية".

وأضاف في حديث مع الأناضول أن "نجاح الحزب في الانتخابات، يؤكد مصداقيته لدى فئات المجتمع، سواء الوسطية أو الفقيرة ، خصوصاً أنه يمارس السياسة البراغماتية والصدق مع المواطنين، انطلاقاً من النتائج المحققة، وليس خلط السياسة بالدِّين والترويج بخطاب الدعوة والأخلاق، ويمارس السياسة بواقعية وبشكل مؤسس وفق آليات مضبوطة".

وأوضح أن أحد نقاط قوة الحزب، هو التدبير المحكم للبيت الداخلي له، وتوفره على حكامة جيدة (غياب الفساد)، والالتزام بالقوانين الداخلية للمؤسسات"، لافتاً أن "الفريق النيابي للحزب بالبرلمان، الأكثر انضباطاً وتواصلاً وحضوراً في الجلسات".

وغالبا ما يردد عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المغربية بقوله: "من كان يريد رئيس حكومة يتصادم مع الملك، فليبحث له عن رجل غيري"، ويعتبر هذا المنطق منهجاً في تدبير العلاقة مع عاهل البلاد.

وكان حزب "العدالة والتنمية" تصدر الانتخابات الجهوية الأخيرة (يوجد بالمغرب 12 جهة على شكل نظام فدرالي)، كما احتل الحزب المرتبة الثالثة في سباق البلديات، بعدما احتل  المرتبة السادسة خلال الانتخابات المحلية عام 2009.

وارتفع عدد المقاعد البرلمانية التي فاز بها الحزب الحاكم خلال الانتخابات التشريعية السابقة، من 9 عام 1997 إلى 42 عام 2002، و46 عام 2007 ، وصولاً إلى اليوم الذي أصبح يتمتع بأكبر فريق نيابي بـ 107 برلمانيين في مجلس النواب ( الغرفة الأولى من البرلمان المغربي) .

وتولى بنكيران، رئاسة الحكومة في 29 نوفمبر 2011، إثر تصدر حزبه الانتخابات التشريعية، التي أجريت في ذلك الشهر.

وعيّن الملك محمد السادس، حكومة بنكيران الأولى يوم 3 يناير 2012، ونصّبها البرلمان يوم 22 من الشهر نفسه، وذلك بعد موجة الاحتجاجات العارمة التي عاش على وقعها الشارع المغربي مع بداية الربيع العربي، وقادتها حركة "20 فبراير" الشبابية، أعلن عقبها الملك عن إجراء انتخابات تشريعية مبكرة قادت حزب "العدالة والتنمية" (المعارض) آنذاك، إلى السلطة.

ويُرتقب إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة بالمغرب عام 2016، عند انتهاء ولاية الحكومة الحالية.

وعاشت الساحة السياسية في المغرب عام 2013 على وقع أزمة كادت تعصف بالحكومة، بين حزب "العدالة والتنمية"، قائد الائتلاف الحكومي، وشريكه السابق في الحكومة حزب الاستقلال (محافظ)، بعد إعلان الأخير في مايو/ أيار من العام نفسه انسحابه من الائتلاف وانضمامه إلى صفوف المعارضة، بسبب ما قال إنه "استفراد من قبل "العدالة والتنمية" بالقرار داخل الحكومة، واستمرار في حماية الفساد والتأخر في تنفيذ الإصلاحات".

وهو ما دفع العاهل المغربي، في أكتوبر/تشرين أول 2014، إلى تعيين حكومة ثانية برئاسة بنكيران، الأمين العام لحزب "العدالة والتنمية"، بعد سلسلة من المُشاورات قادها هذا الأخير، لتضم 38 وزيراً (تضم الآن 37 وزيراً بعد وفاة وزير الدولة عبد الله باها)، بينهم 15 جديداً، إضافة إلى رئيسها.