مبادرة لموائد إفطار شبابية مغربية وسط حملات الإفطار العلني

الأوقات- وكالات: في رمضان من كل سنة تشكل مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب منبرا للنقاش حول إفطار رمضان، خاصة من قبل “مفطري رمضان”، الذين يسعون من خلالها للمطالبة بحقهم في عدم الصوم. هذه السنة ظهرت مباردة جديدة ذات توجه مختلف.

ككل سنة منذ عام 2009 عاد المدافعون عن الإفطار العلني خلال شهر رمضان في المغرب إلى رفع مطالبهم المعتادة وعلى رأسها احترام حرية المعتقد وإلغاء القانون الذي يجرم إفطار رمضان بشكل علني. وبدأت حملة هذه السنة بنشر صور لمفطرين مغاربة أبرزها صورة مثيرة للجدل لشاب كان يشرب الماء بساحة صومعة حسان التاريخية في الرباط، والتي كانت قد شهدت قبلها بوقت قصير “القبلة الشهيرة” لناشطتين من حركة فيمن.

ومع حلول رمضان، ظهرت صفحات على فيسبوك ترفع مطالب احترام الحريات الفردية ومنها “حق الإفطار في رمضان”. وأبزر هذه الصفحات صفحة “مجلة أقليات”، التي تدافع عن حقوق الأقليات الجنسية والدينية، وهي التي تقود حملة المفطرين علنا في رمضان هذه السنة. وبلغ عدد المشتركين فيها أزيد من 3400 شخص، وتعج الصفحة بصور لمغاربة وهم يفطرون رمضان مرفوقة بعبارات تحتج على القانون 222، الذي يجرم الإفطار العلني.

وبالموازاة مع ذلك ظهرت مبادرة على فيسبوك بعنوان “فيس فطور” تهدف إلى تنظيم موائد إفطار رمضانية جماعية لشباب لا يعرفون بعضهم سوى عبر العالم الأزرق. هدف المبادرة حسب منظميها هو استغلال مناسبة الإفطار لتبادل الأفكار ومناقشة قضايا تهمّ الشباب.

“بالونات اختبار استفزازية”

قبل العام 2009 لم يكن النقاش حول إفطار رمضان بالموضوع “العادي” في المغرب. ورغم وجود حالات لأشخاص لا يصومون هذا الشهر، إلا أن إفطار رمضان كان يتم في الخفاء بعيدا عن أعين من قد يستفزهم ذلك، خاصة وأن القانون المغربي من جانبه يعاقب من يفطر علنا. وفي سنة 2009 نظمت الحركة البديلة للدفاع عن الحريات الفردية المعروفة بـ”مالي” إفطارا علنيا جماعيا أوقفته قوات الأمن، لكن الجدل حوله لم يتوقف، وتجدد مع ظهور حركة “ماصايمينش” المنبثقة من “التجمع المغربي من أجل الحريات الفردية”.

ويقول عبد العالي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد الملك السعدي وعضو حزب العدالة والتنمية الإسلامي، إن هذه المبادرات تسمي نفسها حركات، لكنها ليست كذلك في الواقع. ويضيف في حوار مع DWعربية أن “الحركة هي منظمة ذات امتداد شعبي جماهيري ولديها القدرة على التعبير عن حساسية اجتماعية موجودة في المجتمع، بينما الحال هنا أن بعض الأفراد يرسلون بالونات اختبار استفزازية ومطالبهم لا تعبر عن المجتمع″. ويضيف الخبير المغربي، أن القانون المغربي لا يمنع الإفطار في رمضان وإنما يمنع المجاهرة به وهذا فرق. إذ يمكن لمن يريد الإفطار أن يفطر، ولكن ليس في مكان مأهول بالناس، لأن ذلك سيستفز مشاعرهم.

أما الكاتب والصحفي إدريس كسيكس، فيرى أن هذه “المبادرات نافذة جديدة للتعبير عن شيء لطالما كان موجودا في المجتمع لكنه مسكوت عنه، فنحن للأسف نفتقر إلى دراسات سوسيولوجية عميقة لنفهم كيفية تعامل المغاربة مع الطقس الديني، وتبرز الاختلاف الموجود بهذا الشأن”. ويضيف كسيكس في مقابلة أجرتها معه DWعربية “لا أرى في هذه المبادرات أي استفزاز، واعتبار فكرة تعبر عنها أقلية في المجتمع استفزازاً، فيه رفض للتعددية داخل المجتمع. بالعكس من ذلك مثل هذه المبادرات أمر صحي يدل على دينامية المجتمع″.

بين الأعراف الاجتماعية والقوانين الوضعية

الجديد في النقاش أيضا حول الإفطار العلني في رمضان هذا العام هو ارتباطه أكثر من أي وقت مضى بالنقاش الدائر حول حريات فردية أخرى، ولعل ما ساهم في ذلك هو تزامن حملات “مفطري رمضان” مع وقوع أحداث أثارت انتقادات لاذعة من طرف المدافعين عن الحريات الفردية في المغرب، وأبرزها قرار النيابة العامة متابعة فتاتين بتهمة الإخلال بالحياء العام بسبب لباسهما بعدما تجمهر حولهما حشد من الناس في سوق شعبي منددين بلباسهما الذي اعتبروه “غير محتشم”. وقبلها جرى توقيف شابين قالت وسائل إعلام مغربية إنهما مثليان، بعد تبادلهما القبل في ساحة صومعة حسان وحكم عليهما بأربعة أشهر نافذة وغرامة مالية بعد متابعتهما بتهمتي “الشذوذ الجنسي والإخلال العلني بالحياء”.

ومن جملة الانتقادات التي يوجهها المدافعون عن الحريات الفردية للسلطات المغربية، الإخلال بالتزامات المغرب الذي صادق على المعاهدات الدولية المدافعة عن الحقوق والحريات الفردية، لكن حامي الدين ينفي ذلك قائلا “ليس هناك أي تعارض بين هذه المعاهدات والقوانين المغربية، فهذه المواثيق تجعل الحريات كلها تطبق في إطار القانون وهو المرجع الأعلى للاحتكام إليه في مثل هذه الحالات”.

ويضيف حامي الدين أن “القاعدة القانونية مستمدة من القيم والثقافة السائدة في المجتمع، والثقافة السائدة في المجتمع المغربي تقدس رمضان، وبالتالي لا يمكن تغيير قانون ما فقط لإرضاء أفراد”. أما كسيكس، فله رأي آخر بهذا الخصوص، إذ يعتبر أن القوانين المغربية متأخرة فيما يتعلق بالحريات الفردية، ويقول “قوانيننا مازالت رجعية وبعيدة عن تطور المجتمع، إذ لدينا تصرفات بعيدة عن هذه القوانين، لكننا نُبقي على الأخيرة للحفاظ على نوع من الاستقرار والأمن”.

مباردة من نوع آخر

ومن ضمن الانتقادات، التي يوجهها محافظون للفعاليات الداعية لاحترام الحق في إفطار رمضان، أن مطالبهم تقودها نظرة لائكية – علمانية وتندرج في سياق تطور مطالب اجتماعية وسياسية في قضايا الحريات الفردية بهدف فصل الدين عن الدولة. وفي هذا الإطار يقول حامي الدين “لا أعتقد ذلك، فهي مجرد مطالب فردية وراءها رسائل سياسية أيدولوجية ولا يتعلق الأمر بنظرية متماسكة أو مشروع سياسي متين. كما أن هؤلاء يعلمون أن مطلب العلمانية أو اللائكية أمر غير وارد ولن تقبل به لا الدولة ولا المجتمع″.

أما كسيكس فيعلق على ذلك قائلا “للأسف هناك مغالطات في مجتمعنا في تعريف مصطلحات مثل العلمانية واللائكية التي يعتقد الكثيرون أنها تعني الإلحاد. السيرورة العلمانية هي تحقيق الحرية والتعددية والحداثة ولا تعني أنها ضد الدين بل ضد تراتبية الاعتقادات، إذ لا يحق لأحد أن يدعي أنه هو من يملك الحقيقة. أما هذه المبادرات فلا أعتقد أن وراءها مشروع علماني بقدر ما هي مجرد تعبيرات عن الاختلاف والدينامية داخل المجتمع، وهو أمر سليم”.

وبالموازاة مع هذه الحملات، ظهرت هذه السنة حملة أطلقتها على فيسبوك صفحة “فيس فطور” تهدف إلى جمع أكبر عدد من شباب العالم الافتراضي على موائد إفطار رمضان في عدة مدن مغربية لتبادل الآراء ومناقشة قضايا ومواضيع تهم الشباب منها السياسة. وجمعت هذه الصفحة أكثر من 5 آلاف مشارك. وعن هذه المباردة يقول كسيكس “مثل هذه المبادرات محبذ أيضا، فإمكانية مقارعة الآراء بالعقل أمر جميل وأن يستعمل هؤلاء مائدة الإفطار لتصبح فضاء للنقاش أمر ملفت وفيه تطوير للتقليد لبناء فضاء عام”. ومن جهته يرى حامي الدين أن هذه المبادرة أمر إيجابي ما دام الهدف من ورائها إعادة الاعتبار لدور الشباب في السياسة مثلا “من الجميل استغلال مناسبات كهذه لخلق نقاشات مفيدة بين الشباب”.(دوتشيه فيليه)