طنجة موطن من يبحث عن التأمل والإبداع وسط بحر من الجمال

الأوقات – د ب أ:  الماضي يكسو الحاضر بذكرياته المنعشة - تختلط مياه المحيط بلونيها الفيروزي والأزرق بالقرب من ساحل ميناء طنجة، بشكل يوحي بأنه تجسيد مادي للطريقة التي يتدفق بها الزمن عبر مسارات الحياة، في ذات الوقت الذي يتجول المرء فيه عبر الأزقة المتعرجة بالمدينة.

ومن ناحية أخرى، يمكن أن يلتقي الزائر بأفكار طرأت على ذهن الكتاب والمؤلفين وسط الأحياء التي تبدو كالمتاهة بمدينة طنجة العريقة، إلى جانب آثار الأمراء ورجال البلاط المنشقين والجواسيس الذين جاءوا من أوروبا ومناطق أخرى إلى هذه المدينة المتقدة بالنشاط ليحيكوا المؤامرات والمكائد ضد بعضهم البعض.

وكتب في وصف أحوال مدينة طنجة واحد من أشهر الكتاب وأيضا المقيمين فيها وهو بول باولز (مؤلف كتاب مظلة السماء) يقول "إنني مقتنع الآن بأن طنجة هي مكان يتواجد فيه الماضي والحاضر جنبا إلى جنب في نفس الوقت بدرجة متساوية، حيث ما هو حاضر اليوم يكتسب قدرا إضافيا من عمق الواقع بوجود لمحة متساوية من أحداث الأمس".

وكانت طنجة على الدوام وهي أقصى مدينة أفريقية بعدا من ناحية شمال وغرب القارة، جائزة استراتيجية للقوى الكبرى وقتذاك بسبب موقعها المهم المطل على مضيق جبل طارق.

وتعد المدينة تجمعا مذهلا من المباني التي تبدو أنها تكومت فوق بعضها البعض، وقد بدت وكأنها كتلة من اللون الأبيض الناصع جاثمة فوق ربوة تشرف على الميناء، وفوق قمة الربوة الصخرية المطلة على الساحل يقف قصر واسع مشيد يسمى القصبة، وهو يمثل نقطة تناقض مع ما يبدو أنه كتلة فوضوية من المباني المتراصة والأزقة الضيقة.

وتؤدي فجوة في السور القديم المشيد على النسق المعماري الروماني للقصر إلى طريق شديد الانحدار يمكن منه مشاهدة مياه المحيط الأطلسي الهادرة، كما يمكن من بعد رؤية ساحل أسبانيا الذي يلفه الضباب، ويمكن الوصول إليه بركوب قارب بشرط التمتع بقدر من الحظ والمهارة في الملاحة، أو بذاكرة حديدية -حتى لا يضل المرء الطريق- للوصول إلى موقع لرؤيته بشكل أوضح بصعود مجموعة من السلالم التي تقود إلى أعلى الربوة.

وعلى طول الطريق ووسط الساحات ذات الألوان الفاتحة توجد عتبة المدينة التي تم فيها دعوة الكاتب باولز من جانب فريق موسيقى الروك الغنائي الإنجليزي “ذي كلاش “لأن يكتب كلمات إحدى أغنياته، مما أسفر عن ظهور أغنية "إملأ القصبة بموسيقى الروك ".

وهذا التناقض الغريب الذي جعل من طنجة مكانا للإبداع، وهو التناقض بين الأماكن التي تحفل بالتأمل والفكر وتهمس بعوالم خفية، وبين الأماكن الذي جذبت بشكل مستمر راغبي الانغماس في الملذات، لا يزال حيا بالنسبة للمسافر شديد الانتباه.

وتكشف زيارة لكنيسة سان أندرو المتواضعة التي تقع خلف المسجد الكبير في الميدان الرئيسي بالمدينة المعروف باسم جران سوكو أي "السوق الكبير" عن جزء من تاريخ المدينة الثقافي الحافل بالتنافس.

وتم التنازع على هوية طنجة منذ الإمبراطورية الرومانية، حيث تنقلت بين عدد من القوى الاستعمارية الأوروبية لعدة عقود، ثم أصبحت المدينة منطقة دولية تتشارك في إدارتها كل من فرنسا وإسبانيا وبريطانيا خلال الفترة من 1923 حتى 1956.

وخلال هذه الفترة بشكل خاص قدمت إلى المدينة مجموعة من الفنانين والدبلوماسيين وأقاموا فيها تاركين بصماتهم عليها، ومن بينهم جاك كيرواش، وترومان كابوت، وويليام بوروز، وسوزان سونتاج، ومحمد شكري، وغيرهم كثير، وكلهم وجدوا الإلهام فيما أطلق عليه الكاتب بوروز “المنطقة الدولية”، وهي المكان الذي كان يجمع جنسيات وثقافات متنوعة.

ولا يزال من الممكن عند صعود درجات السلم للوصول إلى فندق جراند أوتيل الفاخر الذي يقع بالقرب من الميدان الكبير، الاتجاه إلى الغرفة التي كان يقيم فيها الفنان الفرنسي هنري ماتيس ورسم فيها لوحته الشهيرة “نافذة في طنجة” والتي تصور نافذة مفتوحة تطل على مناظر المدينة القديمة.

ويستطيع أحد المرشدين السياحيين في طنجة ويدعى عبد الله أن يتذكر الأيام التي كان ينام فيها الأفراد الجوالون من الهيبيز على عتبات المدينة، غير أن كثيرا من الأجانب الذين يقيمون الآن في طنجة ينجذبون إليها بدرجة أكبر بدافع الجمال الرائع لمزيج الألوان المتعددة بالمدينة، وباللون الأرجواني الخلاب ساعة المغيب.

وعندما يجلس الزائر في حانة القائد التي كانت تتسم بالفخامة فيما مضى وتقع متاخمة لأحواض السباحة والحدائق بفندق المنزه، فإنه يشعر بجو من الترف الغابر.

ووسط الأسواق الحافلة بالنشاط والمقاهي المنتشرة والمزدحمة بالروَّاد من السهل أن يضل الزائر الطريق في طنجة، كما أن أي مسافر يمكن أن يقضي وقتًا رائعًا في التجول بين أزقة المدينة القديمة، ولكن من المفيد أن يحفظ مجموعة من العلامات الإرشادية تكون دليلا له حتى يتمكن من العودة.

ما الذي يجب مشاهدته؟

هذه المعالم لا ينبغي أن تفوت الزائر:

تعد كنيسة سان أندرو التي تقع خلف المسجد الكبير في الميدان الرئيسي بطنجة استراحة هادئة من ضجيج المدينة، ويعد المرشد السياحي ياسين خزانة معلومات عن التاريخ الثقافي للكنيسة التي تقع في 50 شارع إنجلترا.

أما مكتبة “دي كولنز” فتحتوي على مجموعة من الكتب بلغات متعددة، وتأسست في أوج فترة الازدهار الأدبي فيما يعرف باسم “المنطقة الدولية “حيث تعانقت الثقافات، وتقع المكتبة التي تخطط لمشروعات في الترجمة والنشر في 50 شارع باستور.

ويعد حمام فرانكو الذي يقع في وسط المدينة القديمة حمامًا تقليديًا ولكن لا يمكن حاليًا رؤية السياح فيه، ويقع الحمام في شارع الشيخ محمد بن سكيد.

أين تقيم ؟

تعد دار الجميل نموذجًا رائعًا للتصميم الداخلي للمباني والذي ينتشر في وسط مدينة طنجة، وباستطاعة إدريس مدير الدار أن يجيب على أكثر الأسئلة غرابة بكل ثقة في النفس، وعنوان الدار هو شارع محمد برقاش، ويبلغ سعر المبيت في الليلة الواحدة ما بين 6.35 إلى 60 يورو في المتوسط.

ويطل فندق جراند أوتيل فيلا دي فرانس على الميدان الرئيسي، ويعد من المعالم القديمة الشهيرة، وغرفه مزودة بشرفات رحبة تحفظها الحدائق من الأنظار، وفي هذا الفندق رسم الفنان هنري ماتيس لوحته الشهيرة “نافذة في طنجة “، وعنوان الفندق هو ركن شارعي إنجلترا وهولندا، ويبلغ سعر الغرفة في الليلة الواحدة بين 115 إلى 215 يورو.

أين تأكل ؟

يتميز مطعم “لو نباب” بالهدوء والرقي، ويفتح أبوابه حتى ساعة متأخرة من المساء، ويتم فيه تقديم الأطباق المغربية التقليدية التي يعدها طهاة يتحدثون بعدة لغات، ويقع المطعم في 4 شارع القادرية، ويبلغ سعر الوجبة للفرد نحو 20 يورو.

أما مطعم القصبة فهو مفضل لدى المرشدين السياحيين ولهم الحق في ذلك، فتناول طعام الغداء من قائمة تضم أربعة أطباق رئيسية مع الحساء أو السلاطة وفطيرة الدواجن التقليدية المعروفة باسم باستيللا، وطاجن الخضراوات مع اللحم والكسكس، والحلوى المقلية والرمان، يمكن أن يمثل متعة وسط جولة بالسوق، ويقع المطعم في 7 شارع جزينايا، ويبلغ سعر الوجبة للفرد نحو 11 يورو.

وكالة الانباء الالمانية