دار الدبغ بتطوان، دار للذهب في السابق ودار للمعاناة في الحاضر (تحقيق صحفي مرفوق بصور)

الأوقات- حفصة ركراك: "دار الذهب"، هكذا كانوا ينادونها في وقت مضى، بعد أن أضحى هذا الاسم غريبا إلا من أناس عايشوا تلك الحقبة، كيف لا وقد تحولت من دار للذهب إلى دار للمعااناة.. معاناة صامتة لم يجد لها أصحابها من بد سوى أن يصبروا ويصابروا.. إنها دار الصناعة الحرفية للمنتوجات الجلدية بتطوان، أو كما هي معروفة لدى ساكنة المدينة بـ "دار الدبغ".

قامت " أوقات طنجة" بزيارة هذه الدار والحديث عن كثب مع ثلة من الحرفيين المتبقيين بها، فرصدت أشكالا متنوعة من هضم للحقوق واحتقار ملحوظ لهذه الحرفة من قبل الجهات المعنية، حيث اشتكى أغلب الحرفيين أن هذه الصناعة لم يبق لها إلا القليل لتنقرض وتختفي للأبد.

دار الدبغ قديما:

يحكي قدماء هذه الدار لـ "أوقات طنجة"، أن هذه الدار كانت في وقت مضى تعرف اهتماما كبيرا، ودخلا ماليا مهما يدخره الحرفيون لأسرهم وذويهم، وكانت ظروف العمل تعرف نشاطا مهما لمآت الحرفيين الذين كانت الحماسة والعزيمة عنوانهم في كل أوقات العمل على طولها وصعوبتها، وكان أغلب الحرفيين شباب لازالوا يبحثون عن طرق ووسائل للإبداع وتغيير مناخ العمل إلى نشاط وحماس مشتعلين، لذا فقد قام ثلة من الشباب بتنظيم فرقة للفلكلور بنكهة ثقافتهم وهويتهم المحلية، فكان الشباب يجوبون المغرب بمدنه لإحياء تراثهم عن طريق الفلكلور، ويتلقون دعما ويسافرون إلى الخارج لإحياء الحفلات والسهرات والمهرجانات مع أجانب ومغاربة، وبالنشاط الذي كان يشتعل داخل "دار الدبغ"، تمت تسميته بـ "دار الذهب"، لأنه تجاوز العمل الحرفي إلى نقش بصمة إبداعية لتراث الشمال وتسويقه في شتى البقاع داخل وخارج المغرب.

معاناة صامتة وألم يعتصر:

قامت "الأوقات" بالاستماع للعديد من الشهادات داخل "دار الدبغ"، والتي عبرت عن التدهور الكبير الذي عرفته الحرفة، ما ّأثر سلبا على عائلات الحرفيين الذين تشرد أغلبهم، يحكي "لحسن" أحد الحرفيين الذي قضوا حوالي 60 سنة بالحرفة، واستمر  بها حبا فيها وخوفا منه على ضياعها، يحكي عن أسباب تشريد الأسر التي تعود إلى الإحساس الفظيع الذي كان يحسه بعض الحرفيين حين لا يجد ما يطعم به أسرته، لتضطر الزوجة إلى الخروج للعمل والبحث عن لقمة العيش، مما يجعل الزوج يحتقر نفسه ويفضل أن ينفصل ويعيش وحيدا على أن ينتظر لقمة زوجته التي تراه انسلخ عن رجولته، ويضيف "لحسن" أن الأسباب وراء تدهور هذه الصناعة تعود لغياب تام لأي دعم، إضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية التي أصبح يعجز الصانع التقليدي عن اقتناءها نظرا لمردوده المالي الضعيف، مما أدى إلى مغادرة الكثيرين هذه الحرفة، بحثا عن مكان آخر للعمل، لتنتقل "دار الدبغ" من عشرات الحرفيين الذي كانوا يصلون إلى مئة فرد، إلى قلة لا تتجاوز 10 حرفيين، لا يعملون جميعهم إلا في أوقات نادرة جدا.

شيخ مسن قضى شبابه وحياته في خدمة هذه الحرفة، سبعون سنة من الجهد العضلي بكل صعوباته، إلى أن تعبت كل أعضاءه واستسلم لقدره، فتجده تارة يجلس هنا وتارة يجلس هناك يترقب بعين تملأها الحسرة على واقع هذه الحرفة، ينعي واقعه  الذي لم يجعل أحدا يلتفت إليه أو يمنحه حق التقاعد بعد نضال طويل للنهوض بالحرفة وعدم التخلي عنها، حينما اقتربت عدسة الكاميرا لتصويره، أجاب بتذمر كبير: "عيينا من كثرة الصور بلا فايدة، والوعود المتكررة"، طلبنا منه أن يحكي عن ما يعانيه، فقال أنه يعاني من كل شيء، معاناته لا تنحصر في أمر أو أمرين، لكنه لم يصرح عن معاناته الحقيقية سوى أنه أفصح عن إحباطه الشديد، وعدم رضاه عن الواقع الذي يراه ويتأمله، سألناه أيضا إن كان يرغب في تعليم أبناءه هذه الحرفة فكان جوابه: لا أحد في العالم يرغب في تعليم أبناءه هذه الحرفة، أو يتمناه أن يعمل فيها"

كاميرا "الأوقات"، رصدت بعدستها قساوة ظروف العمل، ساعات طويلة من العمل الشاق مقابل دريهمات قد لا تغطي سوى رأس مالهم دون ربح يذكر، الكل يندد ويستنكر هذا الوضع، ويطالب الجهات المعنية بمد يد العون، وثائق كثيرة تم إعدادها من طرف لجنة من الحرفيين، وبعد أخذ ورد، تم توقيف ملفهم، أو رفضهم لمنح الدعم لهم.

يعبر "سي مصطفى"، بمجرد ما رأى أجهزة الكاميرا ولو من دون أن نسأله، عن معاناته الحقيقية في عمله الذي يضطره للانحناء ليوم كامل، مما يجعله لا يستطيع الوقوف لمدة طويلة، فحين تصبح فرص العمل قليلة يمرض كثيرا لأن لم ينحني، ويشير لنا "سي مصطفى "، وهو أب لسبعة أبناء، إلى ظهره الذي أصبح كقوس يتقوس بسهولة عجيبة، إذ أن عضلاته وعظامه كلها تأقلمت على هذا الوضع ويصعب أن تتأقلم في وضع غيره، ويستنكر "سي مصطفى" وضعه قائلا: "أصبحنا مهمشين ومحتقرين، أصبحنا هنا كالآلات والتماثيل التي يأتي إليها السياح لزيارتها وأخذ الصور التذكارية معهان الفرق بيننا وبين ذلك التمثال هو كونه جامد، أما نحن فيومنا كله حركة وعمل شاق"

كان هذا جزءا صغيرا من واقع يعيشه حرفيون تقليديون في الصناعة الجلدية التي تعتبر أم الصناعات التقليدية، معاناة مستمرة للغيوريين على هذه المهنة، عدد قليل من الحرفيين المتبقيين هنا، قد يغادرون في أي وقت، لتنقرض المهنة وتختفي إلى الأبد، خاصة وأن أغلبهم قد كبروا في السن ولم يجدوا من يخلفهم من الشباب، هي إذن في طريقها للانقراض، فهل من مغيث ينقذ الحرفة قبل فوات الأوان؟