رمضان وكواليس أزمة النقل الخانقة بشوارع طنجة

الأوقات- حفصة ركراك: طابور طويل، وازدحام خانق، وفوضى تلف المكان، وجوه منحطة تلعن حظها السيء، لا وجود لفرق بين الصغير أو الكبير... الانتظار ثم الانتظار...هو عنوان الكل دون أي استثناء...

إنها الحالة المتكررة في شوارع طنجة، صباحها ومساءها، صيفها وشتاءها، تسابق هنا وهناك، حول وسائل النقل بشتى أنواعها، الحافلات مكتظة عن آخرها، أغلبها يمر دون توقف، أما سيارات الأجرة فيهرع لها الناس بشغف ، وكأنها كنز سيظفر به صاحب العضلات القوية، فيما يكمل الباقي انتظاره عله يحظى بنصيب من هذا أو ذاك...

تلك هي طنجة، أزمة النقل فيها يشتكي منها الصغير قبل الكبير، فالصغير يتأخر عن دراسته أو مهامه التي تستوجب منه النقل، والكبير يتأخر عن عمله، الشيء الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى فصله عن عمله، والدخول إلى دوامة البطالة..

أشغال طنجة الكبرى، ساهمت بدورها في تبطيء حركة السير، وتعقيدها أمام مرتاديها.

في هذا الشهر الفضيل، الذي يتزامن مع فترة الصيف، يختلف الأمر قليلا عن الأيام العادية، لأن التقل يكثر فيه أكثر من أي وقت مضى، لذا فالبعض يضطر للإفطار بالخارج، فهو لا يجد خيارا آخر، حين يرى الناس تتهاطل على الحافلات وسيارات الأجرة، وكأنها تستنجد بها، طالبة منها أن تنقذها في هذه اللحظة العصيبة..

الزمن يمضي، ولكل انشغالاته الخاصة، ساعة الإفطار تقترب، الكل يشكوا من سرعة الوقت، ساعات طويلة من الانتظار الغير المجدي، إنه لضياع وقتل للوقت بكل ما تعرفه الكلمة من معنى، إنها لجريمة يرتكبها الكثير من الناس في حق الوقت، غير أنها ليست جريمة عن طواعية، بل جريمة اضطر أغلب هؤلاء ارتكابها رغما عن أنوفهم، حين لم يجدوا خيارا آخر، الوقت يمضي من دون أن يستفيد منه أحد، ساعات وساعات، يحقق فيها البعض إنجازات عظام، يفخر بها أمام أقوامه، فيما يقضيها أمثال هؤلاء تحت سلطة الانتظار...ولا شيء غير الانتظار...

في رمضان الأبرك، وسط شوارع طنجة، يجتمع العياء والتعب، والجوع والعطش، ممزوجا بالانتظار الطويل والطويل، الحرارة شديدة، وحرارة الغضب أشد، يطلبون الخلاص فلا يجدونه إلا في "سراقين البلايص" كما يدعونهم بطنجة، أو ما يعرف ب "الخطافة" خارج طنجة...

الكثير يرفض هذه الوسيلة، خاصة وأنها غير مرخصة، وتمتاز بالضجيج الذي يعطيها نكهة فوضوية، غير أن معظم هؤلاء يستسلم للأمر الوقع، ولا يرى بديلا غير هذه الوسيلة، فتكون هي الحل الوحيد والأوحد، فتجد الناس مصطفين مرة أخرى، علهم يحظون بمكان ينقلهم إلى حيث شاءوا...

والغريب في الأمر، هو أن كثيرا من السيارات الخاصة، تنهج هذا المنهج أيضا، تستغل هذه الفرصة، وتختار أناسا دون غيرهم، لتنقلهم إلى مكانهم، مقابل بضع دراهم، غير أن معظم هذه السيارات يلفها الغموض، فمنها من يلتزم بإيصال الناس لذويهم، ومنها من يقلب المسار إلى اتجاه آخر، لغرض ما، غالبا ما تنحصر هذه الأغراض في حالات الاغتصاب بالنسبة الفتيات...

 وسط الزحام المعهود، تحكي إحداهن التي رفضت الركوب في إحدى السيارات، مستشهدة بأبيها الشرطي، الذي عثر في صباح أحد الأيام على صبية مرمية في إحدى الأماكن النائية، وسط منظر يدعو للشفقة، بملابسها الممزقة، وشعرها المشعث، وآثار للضرب والجرح، ما إن استيقظت حتى حدثته أنها ركبت في إحدى السيارات قصد الوصول إلى منزلها، فيما قام السائق بتغيير الاتجاه واغتصابها...

إنها حكاية من عشرات الحكايات التي تقع وسط فوضى النقل، في غياب أية مراقبة حول نوعية الوسائل التي يتم بها نقل المواطنين من مكان لآخر، ويبقى في الأخير، أصحاب السيارات الخاصة، هم أكثر المحظوظين في النقل خلال هذه الفترات، فهم وحدهم القادرين على التجول في جنبات المدينة، والانتقال من مكان للأخر، قصد إشباع رغباتهم الشرائية، أو لزيارة الأقارب والأحباب...فيما يكمل الباقي أسطوانة المعاناة في ظل أزمة النقل الخانقة التي تعرفها المدبنة، ويستمر المسلسل بحلقاته المتتالية، دون العثور على الحلقة الأخيرة...والمفقودة، والتي بها سيتم حل إشكالية المواطنين وأزمة النقل..

Hafsah .press89@gmail.com